وهبة الزحيلي
11
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الصحيح من توحيد اللّه تعالى والتصديق بجميع الأنبياء والدعوة إلى الفضائل والأخلاق الحميدة ، وكانوا يتعبدون بإخلاص في الأديرة والصوامع ويخشعون لخالق الأرض والسماء ، وليس لهم مطمع في مصالح دنيوية ، أو رئاسة فارغة ، ولم تعمهم العصبية لدين ما عن ولائهم لدين آخر ، ولم تحجبهم عن إعلان إيمانهم باللّه ورسله وبما أنزل اللّه . فتراهم بما استقر في جوانحهم من إيمان صحيح باللّه وبالأنبياء يصغون إصغاء تدبر وإمعان وإنصاف للحقائق لما أنزل إلى الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتفيض أعينهم بالدموع ، بسبب ما وجدوا من تطابق الحق الذي عرفوه وما سمعوه في القرآن الكريم ، فسألوا اللّه أن يتقبل منهم ، وجددوا إيمانهم باللّه وبرسله ، وطلبوا أن يكونوا من جملة الشاهدين بحق على صدق وصحة دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والشاهدين بالحق من قوله عز وجل ، والشاهدين على سائر الأمم يوم القيامة بتبليغ أنبيائهم لهم رسالة اللّه الحقة . وهذه أحوال العلماء العاملين المنصفين يذعنون للحق ويستجيبون للإيمان الصحيح ، وتخشع جوارحهم لذكر اللّه ، كما قال سبحانه وتعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر 39 / 23 ] وقال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ الأنفال 8 / 2 ] . والخلاصة : لقد بيّن اللّه سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا وعتوا وعداوة للمسلمين اليهود ، ويضاهيهم المشركون ، وأن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم نصارى ذلك الزمان . ومن علائم إنصاف أولئك النصارى الذين آمنوا بدعوة الإسلام إيمانا جريئا عدا اعترافهم بصحة المنزل من القرآن في شأن عيسى عليه السلام وإثبات البعث